صديق الحسيني القنوجي البخاري

541

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال ابن عباس : المعنى ما أنا بنافعكم وما أنتم بنافعي ، وقال الشعبي في هذه الآية : خطيبان يقومان يوم القيامة إبليس وعيسى ؛ فأما إبليس فيقوم في حزبه فيقول القول المذكور في الآية ، وأما عيسى فيقول : ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ المائدة : 117 ] وقال قتادة : المعنى ما أنا بمعينكم . إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ قد ذهب جمهور المفسرين إلى أن ما مصدرية أي بإشراككم إياي مع اللّه في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر ، كما يطاع اللّه في أعمال الخير ، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته ، أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه وقيل موصولة على معنى إني كفرت بالذي أشركتمونيه وهو اللّه عز وجل ، ويكون هذا حكاية لكفره باللّه عند أن أمره بالسجود لآدم . ولما كشف لهم القناع بأنه لا يغنى عنه من عذاب اللّه شيئا ولا ينصرهم بنوع من أنواع النصر ، صرح لهم بأنه كافر بإشراكهم له مع اللّه في الربوبية من قبل هذا الوقت الذي قال لهم الشيطان فيه هذه المقالة ، وهو ما كان منهم في الدنيا من جعله شريكا . ولقد قام لهم الشيطان في هذا اليوم مقاما يقصم ظهورهم ويقطع قلوبهم ، فأوضح لهم : أولا : أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من اللّه سبحانه ، وأنه أخلفهم ما وعدهم من تلك المواعيد ولم يف لهم بشيء منها . ثم أوضح لهم . ثاني : بأنهم قبلوا بما لا يوجب القبول ، ولا يتفق على عقل عاقل لعدم الحجة التي لا بد للعاقل منها في قبول قول غيره . ثم أوضح لهم . ثالثا : بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء . ثم نعى عليهم . رابعا : ما وقعوا فيه ودفع لومهم له وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل . ثم أوضح لهم . خامسا : بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة ولا يستطيع لهم نفعا ولا يدفع عنهم ضرا بل هو مثلهم في الوقوع في البلية والعجز عن الخلوص عن هذه المحنة . ثم صرح لهم . سادسا : بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له ، فتضاعفت عليهم الحسرات وتوالت عليهم المصائب . وإذا كان جملة إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ من تتمة كلامه كما ذهب إليه البعض فهو نوع . سابع : من كلامه الذي خاطبهم به . فأثبت لهم الظلم ثم ذكر ما هو